القاضي النعمان المغربي
223
المجالس والمسايرات
فقبّلوا الأرض بين يديه وقالوا : يتفضّل مولانا برحمته ويمنّ برحمته ويمنّ علينا بفضله . فقال : دمتم على ما رغبتم من طلب « 1 » واجتهاد ، فأنتم على خير يفيد الواحد منكم الشيء بعد الشيء فيلقنه ويحفظه ويعمل به فينفعه اللّه بعلمه ، إنّ اللّه عزّ وجل أقدر القادرين وأحكم الحاكمين ، لم يعط خلقه ما أعطاهم من نعمه دفعة واحدة ولا أكمل خلقهم بمرّة ، لكنّه خلق الإنسان من تراب ، ثمّ من نطفة ثمّ صيّره علقة ثمّ مضغة ثمّ عظما / ثمّ كسا العظم ثمّ نفخ فيه الروح ثم أخرجه طفلا فغذّي باللّبن وقتا ثمّ بلطيف الغذاء ، ثم كذلك بشيء بعد شيء إلى أن أكمل خلقه ، وقد كان قادرا على أن يعطيه دفعة واحدة ، ولكن فعل ذلك بحكمة وقدرة . فارغبوا في حياة أنفسكم إذا رغب الناس في حياة أجسادهم ، فإنّ حياة الأنفس هي الحياة الدائمة ، والصفقة في خلاصها هي الصفقة الرابحة ، وقد فتح اللّه لكم ما أغلقه عن غيركم ، وتهيّأ لكم من الزمان والإمكان ما لم يكن تهيّأ لمن قبلكم ، فبادروا إلى ما فيه سعادتكم ولا تتخلّفوا فتكونوا وبالا على أنفسكم وعلى من يأتي بعدكم ، واطلبوا النّجاة طلب من عرف / قدر الحياة واحذروا الفوت حذر من علم مصيبة الموت ، اجتهدوا وجدّوا ، واعتزموا واستعدّوا ، فكونوا كقوم صيح بهم فهبّوا وأوقظوا فاستيقظوا ! ومرّ مستحضرا في مثل هذا من الموعظة بكلام بليغ لم أحك منه كما قدّمت ولا كلّ الذي ذكرت إلّا معناه بعد بذل المجهود في إصابة اللفظ بعينه ، وأرجو أنّي أصبت منه كثيرا إن شاء اللّه تعالى ، وبعد أن « 2 » لم أتعمّد نقصا ولا زيادة بحمد اللّه . فلمّا سمعت ما غمرني من الفضل وبهظني من الحكمة رجوت من أصحابنا رغبة يكون بها درك الأمنية ، فحرّكت من عن يميني وعن شمالي منهم / كذلك ، فكلاهما قالوا « 3 » : نقول ذلك في وقت القيام ، وأمير المؤمنين صلوات اللّه عليه مجدّ في الموعظة ، إلى أن وقف خادم فقال : قد قرب وقت الصلاة يا أمير المؤمنين .
--> ( 1 ) في الأصل : وطلب . ( 2 ) هكذا في الأصل : والتعبير مختل . ( 3 ) هكذا في الأصل : ولعله يعني الجماعة في الفريقين .